بسم الله الرحمن الرحيم
بيان السيد وزير الدولة د. التجانى صالح فضيل
أمام جلسة مجلس السلم والأمن الإفريقـــى
13 أبريــــــــل 2004
· سيدتى الرئيسة ،
· السادة أعضاء المجلس الموقرين ،
· سعادة السفير سعيد جنيد ، مفوض السلم والأمن،
أود فى البدء أن أشكر مجلسكم الموقر على إهتمامه بقضايا السلام فى السودان ، وفى القارة الإفريقية بصورة عامة .. وهو إهتمام يعبر بحق عن تطلعاتنا وآمالنا المعقودة على هذا المجلس الوليد لتحقيق الأمن والإستقرار فى ربوع القارة الإفريقيـــة .
وأرجو أن تسمحوا لى أن أخاطب جلستكم اليوم لإلقاء الضوء على تطورات الأوضاع فى إقليم دارفور بغرب السودان ، والتى يبحثها مجلسكم الموقر اليوم .
يقع إقليم دارفور فى أقصى غرب السودان وتقدر مساحته بحوالى المائتى ألف ميل مربع ، وهى تساوى خمس مساحة السودان .. وللإقليم حدود مشتركة مع كل من الجماهيرية الليبية وجمهوريتى تشاد وإفريقيا الوسطى .. ويبلغ عدد سكانه حوالى الخمسة ملايين نسمة ، ينتمون لأكثر من ثلاثين قبيلة ومجموعة عرقية .
تعود جذور هذه المشكلة الى حقيقة أن معظم سكان إقليم دارفور يحترفون الرعى والزراعة كحرفتين أساسيتين .. ويتحرك الرعاة طلبا للمياه والمرعى الأمر الذى ظل يؤدى الى حدوث إحتكاكات ونزاعات بين القبائل التى تعتمد فى معيشتها على الرعى وبين تلك التى تمارس الزراعة .. غير أن تلك الإحتكاكات والنزاعات كان يتم إحتواؤها بواسطة أعيان القبائل وفق أنماط متعارف عليها تقليديا .. إلا أن ظاهرة الجفاف التى ضربت منطقة الساحل الإفريقى خلال العقدين الماضيين أدت الى تقليل مساحات الرعى وضمور فى موارد المياه الأمر الذى زاد من وتيرة الإحتكاكات وقد تزامن ذلك مع سهولة الحصول على الأسلحة الأوتوماتيكية بسبب النزاعات فى المنطقة يضاف الى ذلك إنحسار سلطة الزعامات التقليدية التى كانت قادرة علــــى إحتواء آثار النزاعات عبر مجالس الصلــح ..
إن تصوير هذا الصراع بأنه صراع عرقى بين قبائل عربية وغير عربية تنفيه الحقائق التالية أولا يمتاز إقليم دارفور بتمازج بين المجموعات السكانية بفضل الزواح بين أفراد القبائل دون إستثناء ثانيا أننا نشهد صراعا بين قبائل تصنف بأنها عربية مثل الصراع الدموى الذى حدث بين قبيلتى الماهرية وبنى هلبة أو صراعا بين قبائل تصنف بأنها غير عربية مثل الصراع الدموى 0-الذى حدث بينى قبيلتى الميما والزغاوة .
إن التدهور البيئى قد أفرز ظاهرة أخرى ألا وهى ظاهرة النهب المسلح وهى ظاهرة منتشرة لسوء الحظ فى غير قليل من الدول الإفريقية أسهمت فى خلق حالة إضطراب أفرزت بدورها مجموعات مسلحة غير منضبطة .
وبطبيعة الحال فقد إستوجب هذا الوضع أن تضطلع الدولة بمسئولياتها وواجباتها فى الحفاظ على أرواح وممتلكات المواطنين حيث قامت الدولة بإقامة محاكم خاصة لضمان سرعة البت فى جرائم النهب المسلح كما أنها شرعت فى توفير خدمات التعليم ومشروعات البنية الأساسية تمهيدا لتنمية شاملة إلا أن الخارجين عن القانون أعاقوا سير تلك المشروعات كما نبين لاحقا
إن أجواء عدم الأمان التى سادت الإقليم بفعل النهب المسلح والصدامات القبلية شهدت عند بداية العام المنصرم ميلاد مجموعات قبلية مسلحة ذات مطالب محلية أردفتها بمطالب سياسية عند إختراقها بواسطة حزب المؤتمر الشعبى المعارض الذى يقوده د. الترابى . تسعى هذه المجموعات لتحويل القبيلة من كيان إجتماعى الى كيان سياسى وهو ما يعرض إفريقيا لمخاطر جمة .
إن المطالب التنموية تتناقض وأفعال هذه المجموعة إذ لا يعقل أن يطالب أحد بالتنمية ويغتال العاملين فيها مثل إغتيال مدير مشروع جبل مرة ومهندس الإتصالات وإغتيال ثلاثة مهندسين يعملون فى مشروع مياه الريف . إمتد نشاط هذه المجموعة الى إعاقة الإغاثة بمهاجمة شاحنات الإغاثة وهو الأمر الذى دفع أصحاب الشاحنات بالإمتناع عن نقل الإغاثة مما زاد من معاناة المواطنين .
سيدتى الرئيسة ،
لقد إتخذت حكومة السودان عددا من الإجراءات الحكيمة لمواجهة تدهور الوضع فى دارفور أهمها الجلوس للتفاوض وحتى مع بعض المجموعات المسلحة ووقعت معها إتقاق سلام فــى أبشى فـى سبتمبر 2003 إلا أن هذه المجموعات لم تلتزم فأدى ذلك الى فشل التفاوض ولم تجد الحكومة بدا إلا بتحمل مسئولياتها بسيطرتها على كل المواقع وإلحاق هزيمة بها .
أصدر السيد رئيس الجمهورية عقب ذلك حزمة من القرارات أهمها وقف العمليات العسكرية الكبيرة، العفو عن حاملى السلاح ، فتح ممرات الإغاثة جمع السلاح من كل الجماعات غير النظامية إلخ .. تابعت الحكومة مساعيها لإيجاد حل للمشكلـــة وبخاصة معاناة النازحين واللاجئيـــن وذلك بالدخول فى مفاوضات بإنجمينا بين 30/3 ـ 9/4/2004 برعاية فخامة الرئيس التشادى دبى والإتحاد الإفريقى . تمكن الطرفان من الوصول الى وقف إطلاق النار إبتداء من 11 /4/2004 ووقع الطرفان على بروتوكول العون الإنسانى لضمان سير الإغاثة وتأمين الجوانب الإنسانية . وأكدت وثيقة وقف إطلاق النار إلتزام الطرفين بوقف الحملات الإعلامية العدائية والعمل سويا لتحقيق السلام فى دارفور ، كما تشمل الوثيقة على آليات وترتيبات وقف إطلاق النار. وأهمية الوثيقتين تكمن فى أنهما جمعتا كل الحركات المسلحة فى دارفور بمشاركة قيادتها الميدانية .
ويمثل حرص الحكومة علىمتابعة أعمال هذه المفاوضات بالزيارة التى قام بها فخامة الرئيس عمر البشير الى إنجمينا فى 11/4/2004 حيث إلتقى الرئيس إدريس دبى ورافقه فى تلك الزيارة السيد السفير سعيد جنيد مفوض السلم والأمن بالإتحاد الإفريقى والذى أجرى بدوره إتصالات بالخرطوم بعد عودته من إنجمينا لبحث ترتيبات وقف إطلاق النار وجولة المفاوضات القادمة ، وهذا ما يؤكد حرص حكومة السودان على دور الإتحاد الإفريقى فى تسوية النزاعات فى القارة .
وقد رحب رئيس مفوضية الإتحاد الإفريقى البروفيسير ألفا عمر كونارى بإتفاق إنجمينا مشيدا بالعزيمة السياسية والمرونة وروح الوفاق التى لازمت أطراف النزاع وهنأ الرئيس التشادى على الدور الذى قام به ، كما ناشد المجتمع الدولى تقديم العون الإنسانى العاجل للمتأثرين .. من جانب آخر رحب الأمين العام للأمم المتحدة كوفى عنان بالإتفاق وقال فى بيان صحفى أنه يثق فى أن هذا الإتفاق يترتب عليه وقف فورى للأعمال العسكرية ونهاية الهجمات على المدنيين وكذلك فتح الطريق أمام المنظمات الإنسانية للوصول للمتأثرين .
وتأكيد لمبدأ المسئولية والشفافية وجهت الحكومة السودانية دعوة للأمين العام المتحدة لإرسال بعثة علـى مستوى عال لتقصى الحقائق على الطبيعة فى إقليم دارفور ، وستوفر حكومة السودان كامل تعاونها مع بعثة الأمم المتحدة لتمكينها من زيارة كافة المناطق التى ترغب فى زيارتها ومقابلة كافة الأشخاص الذين ترغب فى مقابلتهم .
هذا وقد تم الإعلان عن زيارة يقوم بها فريق من الأمم المتحدة قوامه عشرة أعضاء برئاسة جان إيقلاند وكيل الأمن والأمين العام للشئون الإنسانية لمناطق دارفور الثلاث خلال الفترة من 18 الى 21 أبريل 2004 ، بهدف تقدير الإحتياجات الإنساينة للمتضررين .
وفى خطوة أخرى تؤكد جدية الحكومة السودانية ، شكل رئيس الجمهورية لجنة وزارية فى السابع من أبريل الجارى بعضوية وزراء الخارجية ، الداخلية ، الدفاع، والشئون الإنسانية .. حددت مهامها بما يلــى :-
1. السيطرة على المجموعات المسلحة غير المنضبطة التى تهدد أمن وسلامة المواطنين وتعيق إنسياب الإغاثة .
2. فتح كافة ممرات الإغاثة وضمان الوصول الى المناطق التى تحتاج الى العون الإنسانى .
3. توفير الإحتياجات الضرورية لكافة السكان المتأثرين بالنزاع .
4. خلق الأجواء الملائمة لتحقيق الإستقرار وتطبيع الأوضاع فى دارفور .
قام وفد برئاسة السيد وزير الخارجية بزيارة إقليم دارفور فى الثامن من أبريل الجارى .. برفقة سفراء الولايات المتحدة ، فرنسا ، الإتحاد الأوروبى ومديرى مكاتب وكالات الأمم المتحدة المتخصصة كاليونسيف ، منظمة الصحة العالمية ، وبرنامج الغذاء العالمى ، بالإضافة الى منسق الأمم المتحدة.. كذلك صحب الوفد فــى هذه الزيارة مراسلون لوكالات الأنباء الكبرى مثل رويتر، هيئة الإذاعة البريطانية ، وتلفزيون العربية ، وعدد من الصحفيين السودانيين ومديرى المنظمات الدولية غير الحكومية العاملة فى السودان .. ولعل هذا يؤكد أن الحكومة السودانية ليس لديها ما تخفيــــه .
وقد أكد عضو اللجنة المذكورة السيد وزير العدل فى إجتماع موسع ضم منظمات المجتمع المدنى بتقديم كل الخارجين عن القانون الى محاكمات ، مؤكدا على سيادة حكم القانون فى هذه المرحلـــة..
من جانب آخر ، وفى سبيل إيجاد حل سلمى شامل لهذا النزاع تقوم الحكومة بالتحضير لمؤتمر جامع بمشاركة كافة أبناء دارفور والمهتمين لمعالجة مشكلة دافور معالجة شاملة بعيدا عن الحلول الجزئية مع هذه المجموعة أو تلك .
أصدر السيد رئيس الجمهورية توجيهات مباشرة للقيام بعمل مكثف فى المرحلة القادمة لإعادة الثقة ومعالجة أى آثار جانبية ترتبت على الأحداث فى مجال الخدمات أو الجانب الإنسانى ونشر ثقافة السلام .
إن حزمة الإجراءات التى إتخذتها الحكومة وقرار وقف إطلاق النار تفرغ الحملات الإعلامية التى تقودها بعض الجهات ضد الحكومة السودانية من محتواها ، ولا شك أنكم تتفقون معنا فى أن مثل هذه الحملات تسمم أجواء المفاوضات وتدفع بالطرف الآخر الى التعنت مما يمثل عقبة أمام الوصول الى حلول شاملة وعاجلة .
ونعلن من هذا المنبر أن الحكومة ملتزمة تماما بما وقعت عليه فى إنجمينا مؤخرا ، حتى تعود الحياة الى طبيعتها فى دارفور . كما تؤكد حرصها على المشاركة فى جولة المفاوضات القادمة بعـد إسبوع من الآن للنظر فى الجانب السياسى للمشكلة. إن إلتزام الحكومة يمليه عليها واجبها بتحقيق السلام فى السودان وما مشاركة النائب الأول لرئيس الجمهورية فى مفاوضات نيفاشا التى شارفت على الإنتهاء إلا دليلا على ذلك ..
نود أن نشيد بدور الرئيس إدريس دبى والإتحاد الإفريقى وكل الأطراف التى أسهمت فى إنجاح مفاوضات إنجمينا ومن هنا نناشد مجلسكم الموقر تشجيع الطرفين ودعمهما وذلك يساعد فى خلق مناخ للتفاوض لا شك يسهم فى تحقيق النجاح المطلوب .
وأشكر لكم حسن إستماعكم